ممثل المرجعية العليا في أوروبا يبارك للعالم الإسلامي بحلول ليلة القدر (ليلة السلم والسلام)، ويقول:
إن ليلة القدر من الليالي العظيمة التي فضلها الله على سائر الليالي لنزول القرآن فيها والتي يفرق فيها كل أمر حكيم؛ فعلى المسلمين أن يتوجهوا بخضوع وخشوع وتذلل إلى المولى عز وجل ليكشف عنهم ما نالهم من كروب وأحاط بهم من خطوب.
21 رمضان 1440هـ

جاء حديثه هذا بمناسبة ليلة القدر، التي هي من أعظم الليالي وأشرفها، والتي اختارها المولى سبحانه وتعالى لتكون للأمة ليلة سلم وسلام، لقوله تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر).

ويكفي في فضلها شأناً وقدراً نزول سورة كاملة فيها، وهي سورة القدر.

وهي الليلة المباركة التي نزل القرآن فيها -كلاً أو بعضاً-؛ لقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة).

وقد اختلف في تحديدها؛ فهل هي الليلة التاسعة عشرة، أو الحادية والعشرين، أو الثالثة والعشرين؟ والمرجح هو الأخير؛ لرواية الجهني.

هذا، وإنما سميت بليلة القدر: قيل: لأنها ليلة تقدير الأمور، يحكم الله فيها ويقضي ما يكون في السنة بأجمعها؛ لقول الإمام الرضا (ع): (فيها يفرق كل أمر حكيم.. يقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر أو مضرة أو منفعة أو رزق أو أجل).

وقيل: إنما سميت بالقدر، بمعنى الشرف والحظ وعظيم الشأن؛ حيث إن ليلة القدر هي أشرف الليالي وأعظمها عند الله عز وجل، والعمل فيها مقبول، والدعاء مستجاب، وهي ليلة غفران الذنوب، وليلة نزول القرآن، وتفتح في أولها أبواب السماء؛ لتنزل الملائكة والروح؛ ليكتبوا قضاء الله تعالى في الناس أعمارهم وأرزاقهم وأحوالهم وآجالهم وغير ذلك. وهي بعد ذلك ليلة السلام الذي يغمر الكون، ليلة تفيض فيها نعمة الله وإحسانه وفضله على الخلائق، وتستمر حتى طلوع الفجر.

وفي هذه الليلة نزلت رسالة السماء في الأرض.. رسالة المحبة والعدالة والمساواة، ورسالة الهداية والنور.

هذه الليلة الخالدة في التاريخ، فيها تتصل الأرض بالسماء.. إنها ليلة جليلة القدر، عظيمة المنزلة، ويعجز الإنسان مهما أوتي من علم وفصاحة أن يصف عظمتها وفضلها وشرفها.

ومن يعرف قدر هذه الليلة ويحييها بالعبادة وتلاوة القرآن والإحسان للآخرين وصلة الأرحام وبر الوالدين وغير ذلك من أعمال الخير فإنه يكون سعيداً وإن كان مكتوباً في الأشقياء؛ لأنها الليلة التي يمحو الله فيها ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.

ومن يدعو في هذه الليلة يستجاب دعاؤه، بشرط خلوص النية؛ فليس كل إنسان يوفق للدعاء والاستفادة من ليلة القدر. وقد جاء في الدعاء المأثور: (اللّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ فِي الصَّالِحِينَ فَأَدْخِلْنا وَفِي عِلِّيِّينَ فَأَرْفَعْنا وَبِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ مِنْ عَيْنٍ سَلْسَبِيلٍ فَاسْقِنا وَمِنَ الحُورِ العِينِ بِرَحْمَتِكَ فَزَوِّجْنا وَمِنَ الوِلْدانِ المَخَلَّدِينَ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ فَأَخْدِمْنا وَمِنْ ثِمارِ الجَنَّةِ وَلُحُومِ الطَّيْرِ فَأَطْعِمْنا وَمِنْ ثِيابِ السُّنْدُسِ وَالحَرِيرِ وَالاسْتَبْرَقِ فَأَلْبِسْنا، وَلَيْلَةَ القَدْرِ وَحَجَّ بَيْتِكَ الحَرامِ وَقَتْلا فِي سَبِيلِكَ فَوَفِّقْ لَنا وَصالِحَ الدُّعاءِ وَالمَسْأَلَةِ فَاسْتَجِبْ لَنا ).

ليلة القدر هي ليلة الرحمة والعطاء، ليلة السلم والسلام؛ فالله هو السلام، ومنه السلام. إن السلام كلمة جميلة تغمر حياة الإنسان أملاً ورجاء. والسلام هو الأمان من الخوف، والعافية من المرض، والغنى من الفقر.. إنه الصحة والثروة والرخاء، ويتحقق ذلك كله بالدعاء. فالدعاء يغير الكون، وبه تنزل بركات السماء إلى الأرض، وتدوم نعمة الوجود، ونعمة الصحة. وبالدعاء يهطل المطر، ويورق الشجر، وينضج الثمر، وتبتهج النفوس، وتطمئن القلوب.

وقد جاء في بعض الروايات: (من عمل الخير في ليلة القدر كتب الله له أجر من عمل الخير في ألف شهر).

فليلة القدر هي ليلة برد وسلام لمن يعرف قدرها، وهي بركة ورحمة من الله تعالى.. وأي عمل فيها لوجه الله تعالى من صلة رحم أو صدقة أو إحسان فهو أمان لصاحبه من غضب الله تعالى، وطريق لدخول الجنة. فما أعظمها من ليلة وما أشرفها، وما أشد خسارة من يكون فيها لاهياً عن الله تعالى منصرفاً إلى دنياه. لذا يجب أن يتضرع الخلق فيها جميعاً إلى باريهم، راجين منه أن يفرج عنهم وعن جميع المسلمين والمؤمنين ما أحدق بهم من كروب، وما نزل بهم من خطوب أحاطت بهم إحاطة السوار بالمعصم؛ فأفكار الإرهاب تغزوهم، وسهام الفرقة تمزقهم، والأعداء يتربصون بهم، ووسائل الإعلام تلوث العقول والقلوب بما تنطوي عليه من سموم تسعى بها لإذابة العقائد ومحو الأخلاق.

وليس من سبيل للنجاة من هذه الأهوال إلا التضرع إلى الله سبحانه وتعالى في هذه الليالي الكريمة مما تبقى من شهر رمضان، والاعتصام بالقرآن وسنة النبي (ص) والعترة الطاهرة، الكفيلة لنا بكل ما يضمن صلاح ديننا ودنيانا؛ لقوله (ص): (ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

إذن فعلينا الاستفادة من هذه الليلة وأجوائها الروحية ونفحاتها الملكوتية،؛لنكون أهلاً للرحمة والتوفيق، وأهلاً للسير على نهج الأئمة الأطهار (ع).

هذا ((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)).