ممثل المرجعية العليا في اوربا في الذكرى الثلاثين لرحيل زعيم الحوزة العلمية الامام الخوئي (قده) يقول:
الامام الخوئي كتاب ذو صفحات كثيرة وطويلة وحياة زاخرة بالعطاء، وعمر مليء بالابداع لو جئته لرايت الناس في رجل والدهر في ساعة والارض في دار .
10 صفر 1443هـ

جاء حديثه هذا في مؤسسة الامام الخوئي بلندن التي عقدت تأبينها الثلاثين لرحيل زعيم الحوزة العلمية وبحضور جمع كبير من مختلف الجاليات الاسلامية من علماء ومثقفين واساتذة وغيرهم ، واليكم نص خطابة بهذه المناسبة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين

تمر علينا الذكرى الثلاثون لرحيل زعيم الحوزة العلمية الامام الخوئي اعلى الله مقامه، ويعقد هذا المجلس تكريما له وتعظيما لمقامه واداء لبعض ما له علينا من حق.
ايها الاخوة السادة الحضور:
ان الحديث عن شخصية هذا المرجع العظيم ليس من السهل المتيسر في مثل هذه الدقائق المعدودة ، فنحن امام شخصية ذات ابعاد متعددة وحيثيات مختلفة ومزايا قلما سمح الزمان باجتماعها في شخص واحد، فلو القينا نظرة تاريخية على مراجع الطائفة الامامية السابقين لوجدنا فيهم من نال توفيق المرجعية العامة في بيان الاحكام ومعرفة الحلال والحرام دون ان تسمح له الظروف المحيطة به من التأليف والتصنيف، وفيهم من وفق لذلك لكنه لم تسعفه الفرص ان يقوم بدور تربية المجتهدين وتدريس المحصلين ومنهم من برع في علم الفقه والاصول دون ان يمتد به العمر الى ان يخوض غمار العلوم الدينية الاخرى.
هذه هي الحالة الغالبة على جل علمائنا السابقين، وهناك القلائل ممن حالفهم التوفيق للجمع بين كل هذه الادوار والقيام بكل هذه الاعباء. لذا يحار المتكلم عن الامام الخوئي في اي تلك الميادين يتحدث، فالامام الخوئي كتاب ذو صفحات كثيرة وطويلة وحياة زاخرة بالعطاء، وعمر مليء بالابداع لو جئته لرايت الناس في رجل والدهر في ساعة والارض في دار .
ان من يحاول دراسة حياة الامام الخوئي يقف مدهوشا امام كل بعد من اباد حياته، والى كل زاوية من زوايا مكامن العظمة فيه، فلو القينا نظرة على البعد التعليمي وتربية المجتهدين لوجدناه ممن حاز قصب السبق من المراجع السابقين للطائفة الامامية، فالتاريخ لم يذكر لنا الا نماذج قليلة ممن اتسم بذلك، فها نحن اليوم لا نجد من علماء الطائفة الامامية الا من تنتهي سلسلة تلقي العلوم اليه، فهم بين من هو تلميذه ومن هو تلميذ تلميذه ومن هو عاكف على تقريرات ابحاثه، ولا يخلو اي بحث من بحوث الخارج عن طرح ارائه والتعرض لها سواء في علم الفقه او الاصول او الرجال او غيرها من العلوم الحوزوية، فقد امتدت مدة تدريسه في الحوزة العلمية ما يزيد على نصف قرن، وكان في كل تلك الفترة مجلس درسه يضم المئات من المتفقهين والمحصلين والمجتهدين.
ولو انتقلنا الى البعد الاخر في حياته وهو مجال التأليف والتصنيف، فهو الاخر يحّير العقول، فان كل واحد من مؤلفاته ومصنفاته وتقريرات دروسه لا يفي به عمر انسان واحد ، فلقد كتب والف في نفسير القران وفي علم الرجال والحيدث وفي الفقه وغيرها مؤلفات في غاية الاتقان والدقة، اضافة الى ما كتبه تلامذته من تحرير لمحاضراته التي غطت كل ابواب الفقه، وهو الامر الاخر الذي قلما اتفق حصوله للعلماء السابقين رغم بذلهم الجهد الجهيد في ذلك وافناء اعمارهم في التاليف والتصنيف.
ان التفوق في هاتين الجهتين والتألق فيهما ليس بسهل المنال، لا سيما ان قرأنا جيدا تاريخ الحوزة العلمية في زمان حياته، فلقد كانت الحوزة العلمية في النجف الاشرف في فترة بزوغ نجمه تضم فطاحل العلماء ونوابغ الفقهاء واعاظم المجتهدين ممن لا يسمح المجال بذكر اسمائهم والتعرض لشيء من احوالهم.
البعد الثالث هو بُعد المرجعية العامة للطائفة الامامية لمدة تزيد على عقدين ولكنهما ليسا كالعقود السالفة وليست سنينهما كسنين الايام الغابرة، فهي فترة شهدت ترابط الدول والمجتمعات وتواصلهم المباشر مع المرجعية نظرا لتطور وسائل النقل والاتصالات مما يثقل كاهل المرجعية ويحمّلها جهودا مضاعفة عما كانت تحتمله المرجعية من قبل، اضافة الى ما منيت به تلك الفترة من طغيان السلطة الحاكمة وجورها وتسديد سهامها صوب المؤسسة الدينية ومحاربة الدين وعقدها الهمة على اضعاف الدور القيادي والريادي الروحي للحوزة العلمية والمرجعية الدينية، وسلكت اساليب متنوعة في محاولة القضاء على دور المرجعية في توجيه الامة وفك الارتباط بين المجتمع ومرجعيته الدينية، وهنا صفحة طويلة ومريرة للامام الخوئي هي صفحة الجهاد والصمود والصبر وتحمل انواع الاذى دون ان يصاب بالاحباط او الفتور عن اداء دوره والقيام بمهامه التوجيهية والارشادية، ودون ان تزلزل تلك الضغوط من عزيمته في انجاز الدورين السابقين وهما دور التدريس والنشاط التعليمي التربوي والنشاط التاليفي والتصنيف في العلوم.
ان في حياة الامام الخوئي دروسا وعبر كثيرة لمن اراد ان يمعن النظر في حياة هذا الرجل العظيم، ولعل اهمها درس الاستقامة والثبات رغم شدة التحديات، فان الاستقامة والثبات من اهم العناصر التي اكدت عليها النصوص الدينية من اجل النجاح والفلاح، حتى روي عن النبي الاعظم (ص) انه قال (شيبتني سورة هود) في اشارة الى ما ورد فيها من قوله تعالى ((فاستقم كما امرت)) وهذا درس يجب ان يتعلمه كل منا فان التمسك بالدين والمبادئ والقيم الالهية لا شك بانه في حياتنا اليومية تواجه مطبات ومنعطفات وتحديات ولن يفلح ولن ينجح في الاختبار ولن يتمكن من اقتحام العقبة الا بحمل روح الاستقامة والثبات.
ولا يسمح المجال هنا للتعرض الى التحديات التي واجهها الامام الخوئي بل كل رجال العلم والدين في الحوزة العلمية والتي شملت الحالة المادية والحرمان وشظف العيش يرافقها ظلم النظام السابق وقساوته في التعامل مع هؤلاء الذين نذروا انفسهم لهداية الناس وحملهم على طاعة الله والتخلق بالاخلاق الفاضلة وتهذيبهم من الناحية السلوكية وارشادهم الى الخير والصلاح.
ومنها درس الصدق في القول والعمل ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)) وقال تعالى ((وكونوا مع الصادقين)) علينا ان نتعلم هذا الدرس من هذا الانسان الكبير، فهو رجل من نوابغ البشر ، ولو كان قد صرف ذكاءه وفطنته في العلوم الدنيوية والمجالات المادية لما لحقه لاحق في ذلك، ولكنه كان صادقا مع ربه ومع نفسه اذ عمل على وفق ما يعتقده من ان الحياة الدنيا ما هي الا دار مجاز للاخرة، والعاقل والحكيم من لا يعمل لها بل يعمل فيها ليحيى الحياة الاخرى حياة مجاورة الانبياء والصالحين والشهداء والصديقين.
ومنها درس الانجازات وخدمة المجتمع، فما اكثر الايات والروايات التي تحث الانسان المؤمن على ان يكون عنصرا نافعا في المجتمع ، لا ان يتقوقع على نفسه ويعتزل، فهذه سيرة الانبياء وسيرة الاوصياء تدلنا بوضوح على تصديهم لاصلاح المجتمع وهدايته واداء دور المربي والمرشد والمعلم المعطاء.
اراد الاسلام منا ان نحسن الى الغير، ففي القران ما يقرب من ستين اية تصب في الحث على الاحسان، ويجب ان لا يقتصر المؤمن على اصلاح نفسه والاهتمام بنفسه بل عليه ان يضحي من اجل الاخرين ((ومن احياها فكأنما احيى الناس جميعا)).
وما اكثر الاحاديث في هذا المجال، وما اكثر الاوامر الشرعية في هذا المضمار، وما اعظم الثواب الذي اعده الله تعالى لمن يكون عنصرا من عناصر الخير والنفع في المجتمع وتكون له خطوات وبصمات في اسعاد الاخرين.
وهناك دروس وعبر اخرى في حياته لا مجال لتناولها واستيعابها في هذه العجالة.

ايها الاخوة المؤمنون:
علينا ان نستلهم هذه الدروس من هذا الفقيه العظيم والعالم العامل والمرجع الكبير ، علينا ان نتعلم منه درس الاستقامة والثبات والصبر، ودرس الاخلاص وصدق النية في القول والعمل، ودرس العطاء وفعل الخير، ودرس الجد والمثابرة في مجال عملنا وتخصصنا وسلوكنا مهما اختلفت وتعددت اعمالنا ومهامنا ووظائفنا.

ايها الاخوة المؤمنون:
لا ينبغي ان يكون مجلسنا هذا وغيره مجرد مجلس تكريم واحياء ذكرى ، بل يجب ان تكون مجالسنا هذه تصب في خانة بناء الذات والشخصية وعلينا ان نعتبر هذه الفترة الزمنية التي نقضيها في مجلس احياء ذكرى الامام الخوئي وكأنها جلوس بين يديه وحضور عنده لنخرج وقد اكتسبنا شيئا من خلقه وصفاته وتأثرنا بمسيرته وحياته، فان مجالسة هذا النمط من الناس مما حث عليه الانبياء والرسل فقد ورد عن النبي الاعظم (ص) (ان الحواريين قالوا لعيسى (ع) ياروح الله من نجالس؟ قال: من يذكركم الله رؤيتُه، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الاخرة عمله).
نسال الله لنا ولكم التوفيق وحسن العاقية