ممثل المرجعية العليا في اوربا يعزي العالم الاسلام بشهادة رابع ائمة المسلمين بشهادة الامام السجاد (ع) ويقول:
• لم تكن ظاهرة العبادة والبكاء في حياة الامام (ع) مجرد امر عبادي، بل له اهداف اجتماعية وتربوية وسلوكية وسياسية
25 محرم 1443هـ

جاء حديثه هذا في خطبة الجمعة بمؤسسة اهل البيت في ليدز قائلا:

لم يمارس الامام زين العابدين (ع) دوره العبادي خضوعا وخشوعا للمولى سبحانه، وتأسيا بسيرة ابائه واجداده (ع)، فحسب بل اراد من خلالها ان يعطي للامة دروسا تربوية وتوعوية وسياسية في وقت اعيته السبل عن توجيهها وارشادها الى صلاح دنياها واخراها بسبب الضغط الذي كان عليه من حكام عصره وعدم التمكن من اللقاء بقواعده الشعبية، فلهذا انحصر اداء واجبه الرسالي من خلال العبادة والدعاء، ليقابل بها ذلك المد الفاسد الذي انتهجه بنو امية وابعدوا المسلمين به عن طاعة ربهم وجرؤوهم على عصيانه والتمرد عليه، حتى اقتدى بهم من اقتدى من عامة الناس ممن لا وعي ولا بصيرة له في دينه وعقيدته، وقد تصور هؤلاء السذج بان هذا هو الاسلام وهؤلاء ممثلوه بفسقهم وفجورهم، وعلى الامة ان تطيع فاسقهم وفاجرهم بكل ما يفعلونه ويتظاهرون به.

وهذا ما نراه اليوم ممن يقتلون الابرياء ويستحلون الدماء والاعراض باسم الاسلام وبشعار الله اكبر.

اذا فماذا يصنع الامام السجاد (ع) في تلك الفترة والحال هذا؟ فوجد من مسؤوليته حماية الاسلام ودين جده (ص) في الوقت الذي كانت الانظار متجهة اليه والى ما يفعله باعتباره القدوة الحسنة، فراى ان افضل اسلوب وافضل طريقة يدير بها طرف الامة الى نهج الاسلام الصحيح عن طريق العبادة والدعاء، وكأنه بهذا يقول لهم: ايها الناس ان ظاهرة التنكر لاحكام الاسلام والميوعة والاستهتار والتجاهر بالمعاصي وما يرتكبه بنو امية ليس هو من الاسلام بشيء ولا هؤلاء يمثلونه باعمالهم وافعالهم حتى وان تظاهروا بالصوم والصلاة والحج، وان الاسلام هو دين هداية ورحمة وخير للبشرية بكل ما جاء به نبيه الكريم من فضائل ومكارم تجسدت به (ص) وبسيرة اهل بيته الكرام (ع)، وبهذا النهج العبادي استطاع الامام السجاد (ع) ان يسحب البساط من تحت اقدام بني امية ومن سار على نهجهم لتصحيح مسار الاسلام وحماية مقدساته من ايدي العابثين والمتجاوزين.

الى جانب هذا مارس الامام زين العابدين (ع) دوره السياسي في صياغة القاعدة السياسية عبر ثلاث امور رئيسية:

1- العمل التربوي من اجل صياغة ارضية (قاعدة): فمارسها عبر المواعظ والخطب والدعاء وكان هذا هو العمل الكبير الذي مارسه لخلق القاعدة الاسلامية عبر وسائل روحية، فحينما يقول الامام (ع) (اللهم طهر قلبي من النفاق وعملي من الرياء ولساني من الكذب وعيني من الخيانة ...) فهو دعاء لكنه يحتوي على مضامين تربوية واخلاقية تستهدف صياغة الانسان المسلم صياغة روحية واخلاقية، فاستعمل هذا الاسلوب لبناء الامة من الجانب الروحي ليوجه الجماعة توجيها روحيا ينسجم مع الاسلام وينسجم مع الله ويرتبط بقاعدة التوحيد.

2- العمل الثقيفي: ايضا كانت صياغتها صياغة اسلامية منفتحة على مبادئ الاسلام والرسالة والعقيدة من خلال مجموعة حلقات ودروس كان يلقيها (ع) على اصحابه، ومن خلال الدعاء ايضا مارس به تثقيف الامة وتوعيتها، وتمثل في الصحيفة السجادية التي تتضمن جوانب عديدة ومضامين هامة لتوعية الامة وتوجيهها، فانت حينما تقرأ الصحيفة تراها تتضمن المفاهيم الاسلامية والتصورات العقائدية والعبادية والاخلاقية والتربوية والاقتصادية والسياسية، وهذه كلها افرغها الامام (ع) بقوالب وصور من الدعاء.

3- العمل السياسي: وهو مواجهة الاعلام المضاد للثوة الحسينية، لان الاعلام تحرك بشراسة وعنف ضد الثورة لتشويهها، وحركة الامام (ع) ونهضته التي وصفتها تلك الاجهزة بانها حركة ضد النظام وضد الخليفة حتى وصفوا الاسرى من ال البيت (ع) بالخوارج.

وهكذا نرى هذا المعنى في كل عصر اجهزة الحكومات الجائرة تمارس دور التضليل تجاه كل الحركات الاسلامية الواعية، وتجاه كل الشخصيات، عبر وسائل الاعلام على اختلاف انواعها، فترى الوان التضليل والوان الدجل تجاه الاصوات الاسلامية وتجاه العاملين بالخير، ولكن قام الامام (ع) ومن معه بابطال هذه الاساليب والادعاءات، من ذلك ما يحدثنا التاريخ عن قضية ذلك الشيخ المضلل الذي وقف بباب دمشق واخذ بزمام ناقة الامام (ع) وقال (الحمد الله الذي قتلكم واكذب احدوثتكم ...) فابان له الامام (ع) حقيقة الحال مما حداه الى ان يعلن توبته.

وهناك الوان اخرى تتمثل بمواقف الامام السياسية منها :

ظاهرة البكاء في حياته (ع) فهي وان كانت ترى لاول وهلة ظاهرة عاطفية وحزنية على ابيه الحسين (ع) واهل بيته (ع)، الا ان الامام السجاد (ع) اراد من خلالها التنديد بالظلم والظالمين ويبين للعالم مظلومية ابيه الحسين (ع) الذي انتهكت بنو امية بقتله حرمة الاسلام، وبهذا جاء في الزيارة (لعن الله امة قتلتكم وانتهكت في قتلكم حرمة الاسلام).

وكان (ع) يكرر قوله هذا في مناسبات عديدة، فمثلا حينما يمر بسوق الجزارين يرى جزارا يذبح كبشا يقول له ياهذا اسقيت هذا الكبش ماءا قال بلى يا بن رسول الله نحن معاشر الجزارين لا نذبح الكبش حتى نسقيه ماءا فتنهمر دموعه على خديه وهو في وسط السوق ثم يوجه وجهه الى جهة كربلاء ويقول ابه يا ابه الكبش لا يذبح حتى يسقى الماء وانت قتلت الى جانب الفرات عطشانا !!

وهكذا كان يذكر بعض جوانب الماساة لبعض اصحابه منهم ابو حمزة الثمالي رضوان الله تعالى الذي دخل عليه دخل يوماً فرآه حزيناً كئيباً فقال له: سيّدي، ما هذا البكاء والجزع ؟ ألم يقتل عمُّك حمزة ؟ ألم يقتل جدّك علي (ع) بالسيف ؟ إن القتل لكم عادة، وكرامتكم من الله الشهادة ، فقال له الإمام : شكر الله سعيك يا أبا حمزة ، كما ذكرت ، القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة ولكن يا أبا حمزة ، هل سمعت أذناك أم رأت عيناك أن امرأة منا أُسرت أو هُتكت قبل يوم عاشوراء ؟ والله يا أبا حمزة ، ما نظرت إلى عمَّاتي وأخواتي إلاَّ وذكرت فرارهن في البيداء من خيمة إلى خيمة ، ومن خباء إلى خباء ، والمنادي ينادي أحرقوا بيوت الظالمين.

وهكذا كانت حالته، فما قدم اليه طعام ولا شراب الا ومزجه بدموع عينيه، فقال له بعض غلمانه يابن رسول الله ، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ ولبكائك أن يقل؟ فقال (ع): إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (ع) كان نبياً ابن نبي ابن نبي له اثنى عشر ابناً، فغيب الله سبحانه واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم والهم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي.

وبقي الامام (ع) على هذا الحال حتى قضى مسموما بامر من الوليد بن عبد الملك في 25 محرم الحرام سنة 95هـ، ودفن في البقيع الى جانب عمه الامام الحسن (ع) وسائر الشهداء المدفونون هناك.

فسلام الله عليك يا زين العابدين ويا سيد الساجدين يوم ولدت ويوم اسرت ويوم استشهد ويوم تبعث حيا.

السلام علي الحسين
وعلى علي بن الحسين
وعلى اولاد الحسين
وعلى اصحاب الحسين