ممثل المرجعية العليا في اوروبا يشاطر المسلمين أحزانهم بشهادة تاسع أئمة المسلمين الامام محمد بن علي الجواد (ع) ويقول:
لقد كان الإمام الجواد (ع) أول الأئمة الثلاثة من أهل البيت الذين تقلدوا منصب إمامة المسلمين قبل بلوغهم الحلم كما حصل لنبيي الله يحيى وعيسى (ع)
28 ذو القعدة 1442هـ

يحيي المسلمون في هذه الأيام في مؤسساتهم ومراكزهم ذكرى شهادة الامام محمد بن علي الجواد (ع) التي تصادف يوم السبت الموافق 10/7/2021.
وقد اختصت حياة هذا الامام العظيم بخصائص ميزته عن غيره من الائمة الاثني عشر من أهل البيت (ع)، منها:

أولاً: تقلده منصب الامامة وهو ابن تسع سنين كما حصل لنبي الله يحيى لقوله تعالى:(وآتيناه الحكم صبياً) ونبي الله عيسى لقوله تعالى :(قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً). وتكررت هذه الظاهرة مع الامام العاشر الامام علي الهادي (ع) والامام الثاني عشر الإمام المهدي (ع) الذي كان سنه دونهما يوم تقلد منصب إمامة المسلمين عند وفاة والده الامام العسكري (ع).

ثانياً: استشهد الامام الجواد (ع) وله من العمر خمس وعشرون سنة، وبهذا يكون اصغر الائمة سناً.
ولهذا وقع الشك في قلوب الكثيرين في امامته فعمدوا الى امتحانه بالاسئلة الفقهية والعلمية وتوجهت منهم وفود وجماعات الى المدينة واجتمعوا به واختبروه وسألوه عن الاف المسائل فأجاب عنها وعاد اعضاء الوفود الى بلدانهم معترفين بفضله مقتنعين بامامته معجبين بعلمه ومعرفته على صغر سنه.

وبهذا صح ان نعبر عنه (ع) بانه كان نابغة زمانه ومعجزة عصره واعجوبة دهره. وذكر الشيخ الطبرسي في اعلام الورى ان ابا جعفر الجواد قد بلغ في وقته من الفضل والعلم والحكمة والاداب مع صغر سنه منزلة لم يساوه فيها احد من ذوي السن من السادة وغيرهم.

ومما ورد في سعة علمه: ما رواه الكليني رحمه الله من ان قوما سألوا ابا جعفر الجواد عليه السلام عن ثلاثين الف مسألة فأجاب عنها وله يومئذ عشر سنين.
ولذا كان المأمون العباسي مشغوفا بحبه متوفرا في اعظامه وتوفيره وتبجيله، لما رآه من علو رتبته وعظم منزلته في جميع الفضائل، حتى زوجه من ابنته ام الفضل. ولما اعترض العباسيون على المأمون في ما فعله معه من الاحترام والتكريم والتقريب والتزويج قال لهم المأمون: واما ابو جعفر محمد بن علي فقد اخترته لتبرزه على كافة اهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنه والاعجوبه فيه لذلك، وانا ارجو ان يظهر لكم ما قد عرفته منه فتعلموا ان الرأي فيما رأيته فيه.
فقالوا: ان هذا الفتى وان راقك هديه وخلقه الا انه صبي لا علم له ولا فقه ولا معرفة، فأمهله حتى يتعلم ويتفقه في الدين ثم اصنع به ما تراه بعد ذلك
قال: ويحكم اني اعرف بذلك الفتى منكم.. انه من اهل بيت علمهم من الله تعالى ومدده والهامه، ولم يزل اباؤه اغنياء في علم الدين والادب عن الرعاية الناقصة عن حد الكمال، وان شئتم فامتحنوه بما يتبين لكم ما وصفته من حاله.
فقال العباسيون: قد رضينا لك يا امير المؤمنين ولانفسنا بامتحانه فخل بيننا وبينه.
ثم خرجوا من عنده واجمع رأيهم على الطلب من يحيى بن اكثم وهو يومئذ قاضي القضاة بان يسأل الامام الجواد مسالة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه باموال كثيرة على ذلك، وعقد المأمون لذلك مجلسا عاما حضره الخاصة والعامة، وجلس المأمون في صدر المجلس والجواد الى جنبه، وجاء يحيى بن اكثم وجلس بين يديهما واستأذن بالسؤال فأذن له الجواد، فقال يحيى: ما تقول جعلني الله فداك في محرم قتل صيدا؟
واذا بالامام فرع له فروعًا كثيرة، وقال له في اي فرع منها يقع سؤالك؟ فما اهتدى يحيى وعجز عن الجواب. وطلب المأمون من الامام ان يفصل فروع هذه المسألة فوضح الامام كل جزئياتها حتى اذهل الحاضرين من سرعة البديهة التي كان يتمتع بها.
عندها اقبل المأمون على من حضر في المجلس وقال هل فيكم احد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب او يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟
فقالوا: لا والله وان امير المؤمنين اعلم بما رأى. فقال المأمون :ويحكم ان اهل هذا البيت خصوا من بين الخلق بما ترون من الفضل، و صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال. اما علمتم ان رسول الله (ص)افتتح دعوته بدعاء امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الى الاسلام وهو ابن عشر سنين، ولم يدع احدا الى الاسلام في مثل سنه غيره، وبايع الحسن والحسين وهما ابناء دون الست سنين ولم يبايع صبيا غيرهما. افلا تعلمون ما اختص الله به هولاء القوم وانهم ذرية يجري لاخرهم ما يجري لاولهم؟ فقال العباسيون :صدقت يا امير المؤمنين ووفقت. ولم يزل المأمون مكرما لابي جعفر الجواد ومعظما لقدره يؤثره على ولده وكافة اهل بيته الى ان خرج الامام الجواد بزوجته ام الفضل بنت المأمون من بغداد عائدا الى مدينة جده رسول الله(ص) وهو ابن ست عشر سنة.

وقد تطرقت كتب التاريخ الى حياة الامام واسهبوا في الحديث عنها، مشيرين الى ازدهار الحركات الثقافية والعلمية في زمنه، وتأسس المعاهد الدراسية وانتشار المكاتب العامة واقبال الناس بلهفة على طلب العلم في كل من يثرب والكوفة والبصرة وبغداد. وبوجوده عليه السلام كانت يثرب انذاك من اهم المراكز العلمية التي تشكلت فيها مدرسة اهل البيت وضمت عيون الفقهاء والرواة من الذي سهروا على تدوين احاديث اهل البيت بما فيها الفقه باعتباره روح السلام وجوهره. ولعل قول الامام الرضا (ع):(هذا المولود الذي لم يولد في الاسلام مثله مولود اعظم بركة على شيعتنا منه) كان يشير الى دور الامام الجواد في هذا العصر.

ولم يقتصر دور الامام العلمي على علوم الشريعة بل تعداها الى علوم الطبيعة كالكيمياء والفلك والرياضيات والهندسة والسياسة والطب، الذي كان له فيه باع طويل عبر شرح بعض النظريات العلمية والعلاجات الطبية، فكان ملجأ لكل ما يحتاج اليه الناس في دينهم ودنياهم.

الى جانب هذا فقد كان للامام دور بارز في ترسيخ العقائد الاسلامية والدفاع عنها، وتصحيح معتقدات الناس مما قد يخطر في اذهانهم من تصورات خاطئة حول اصول الاعتقاد. وهكذا موقفه من الفرق المنحرفة ورده على الاحاديث الموضوعة في فضائل البعض، التي روج لها بنو امية منذ زمن معاوية بن ابي سفيان، وانفقوا الاموال الطائلة في سبيل وضعها ونشرها، لكي يبلغوا بذلك اهدافهم السياسية ويحافظوا على اركان ملكهم واستمرار تسلطهم غير المشروع على الخلافة الاسلامية.

ولكن من المؤسف والمؤلم مع تطور العالم وتنوره الذي نشهده يوما بعد يوم لم تنعكس اثار علوم أهل البيت على المناهج الدراسية في المدارس والمعاهد الاسلامية وغيرها، حتى يتعرف عليها ابناؤنا ويتعلموها، ويعلموا ان هذه العلوم والمعارف مصدرها الائمة عليهم السلام. في حين اننا نرى بعض المغرضين والمعادين لاهل البيت (ع) يروق لهم أن يطرحوا بعض الاقزام والنكرات كعمران بن حطان ومروان بن الحكم والحجاج وغيرهم من الأسماء المجهولة والمجعولة التي لا وجود لها في التاريخ ليحجبوا بها هذه الوجوه الوضاءة والمشرقة من اهل بيت النبوة الذين يمثلون الهدي والاستقامة بما يحملونه من علم ومعرفة. ولكن.. (يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره المشركون)

(اللهم صل على محمد واهل بيته وصل على محمد بن علي الزكي التقي والبر الوفي والمهذب النقي هادي الامة ووارث الائمة وخازن الرحمة وينبوع الحكمة وقائد البركة عديل القرآن في الطاعة وواحد الاوصياء في الخلاص والعبادة والسلام عليه ورحمة الله وبركاته).

هذا ونسأل المولى سبحانه ان يجعلنا من المقتدين به والسائرين على نهجه ونهج ابائه الكرام إنه سميع مجيب.