ممثل المرجعية العليا في أوروبا يعزي ولي الله الأعظم والعالم الإسلامي بوفاة السيدة خديجة، ويدعو:
المرأة المسلمة إلى أن تتخذ من سيرتها قدوة لخدمة مجتمعها وأسرتها.
9 رمضان 1442هـ

جاء حديثه هذا بمناسبة وفاة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد (ع)، التي تصادف وفاتها العاشر من شهر رمضان، قبل الهجرة بثلاث سنوات، وإليكم نص حديثه:

ما أحزنها من ليلة وآلمها على قلب رسول الله (ص) بوفاة زوجته خديجة بنت خويلد (ع) التي كانت من أفضل نساء قريش ومكة في خلقها وخلقها وجميع مواهبها، وكانت أفضل أزواج النبي (ص) قاطبة، وكانت سيدة حازمة شريفة لبيبة جليلة دينة كريمة الأمة في شرف النسب وكرم المحتد وسؤدد القبيلة وعز العشيرة والغنى الأوفر، وكانت مثالاً للزوجة المخلصة الصالحة والمرأة الرزينة العاقلة، لا يوجد شبيه لها في نساء النبي (ص) على الإطلاق، من عقلها الكبير وشخصيتها العظيمة. لقد كانت أول أزواج النبي (ص) ونساء هذه الأمة إيماناً بالله ونبيه وتصديقاً بكتابه ومواساة لرسول الله (ص).

انفردت برسول الله (ص) مدة خمس وعشرين سنة، لم تشاركها فيه امرأة ثانية، ولو بقيت طيلة حياة الرسول لما شاركتها فيه أخرى.

وكانت شريكته في محنته طيلة أيامها معه تدافع عنه بكل ما لديها من قوة وقول وفعل، وهي التي أمدته بأموالها منذ اليوم الأول من زواجها، فأمرت ابن عمها ورقة بن نوفل أن يقف بين زمزم والمقام وينادي بأعلى صوته: (يا معاشر العرب إن خديجة وهبت لمحمد نفسها ومالها وعبيدها وجميع ما تملكه بيمينها، إجلالاً وإعظاماً لمقامه ورغبة فيه) ولولا أموال خديجة (ع) لما استطاع رسول الله (ص) أن يركز دعائم الإسلام، فإنه لم يقم إلا بأموال زوجته خديجة (ع) ومواقف عمه أبي طالب (ع) وجهاد ابن عمه علي (ع)..

ولولا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصاً فقاما
فهذا بمكة آوى وحامى *** وذاك بيثرب جس الحماما
فلله ذا فاتحاً للهدى *** ولله ذا للمعالي ختاما

هذا ولولا ضيق المقام لأسهبنا في الحديث عن فضلها وكرامتها ولكن نقتصر على ذكر بعض النقاط:

١- السبق إلى الإسلام، فهي أول امرأة آمنت بالإسلام ونبيه. ولذا عدها الرسول (ص) من سابقات النساء إلى الإيمان. بقوله: (خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله وبمحمد). وبهذه الكرامة صرح أمير المؤمنين (ع) في خطبته القاصعة بقوله: (لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما). ٢- أنها أول امرأة اقتدت برسول الله (ص) في أول صلاة أقامها النبي (ص)، وأمير المؤمنين ثالثهما.

٣- حب الرسول (ص) لها، فكانت أحب نساء النبي إلى نفسه الشريفة. فقد ورد عن بعض نسائه أنها قالت: كان رسول الله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت خديجة إلا عجوزاً فقد أبدلك الله بخير منها. فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: (لا والله ما أبدلني الله خيراً منها آمنت إذ كفر الناس وصدقتني وكذبني الناس وواستني في مالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء).
ولحب رسول الله (ص) لها كان إذا ذبح شاة يقول: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة. ولهذا لم يتزوج غيرها في حياتها إكراماً لها وتعظيماً لشأنها.

٤- كمالها وجلالها حيث إنها من الكاملات كما ورد على لسان النبي المصطفى(ص): (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم ومريم ابنة عمران وخديحة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد) وقال (ص): (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم).
ووصفها أبو طالب (ع) ذات يوم قائلاً: (إن خديجة امراة كاملة ميمونة خطبها العرب ورؤساهم وصناديد قريش وسادات بني هاشم وملوك اليمن وأكابر الطائف وبذلوا لها الأموال فلم ترغب في أحد منهم ورأت أنها أكبر منهم)

٥- أنها من المبشرات بالجنة حيث قال رسول الله (ص): (أتى جبريل فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام فاقرأها من ربها ومني السلام وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) ٦- وكانت وفاتها في اليوم العاشر من شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم تخلف من النبي (ص) إلا بنتاً واحدة وهي الزهراء (ع) التي كان عمرها يوم وفاة والدتها خمس سنين، وقد حزنت عليها حزنا شديداً، وجعلت تلوذ بابيها رسول الله وتدور حوله وتقول: يا أبه أين أمي؟ حتى هبط الأمين جبرئيل (ع) يقرئها السلام من الله ويخبره بمكان أمها في الجنة.

ونكتفي بهذه اللمحة المختصرة عن أم المؤمنين خديجة (ع).. وإن التاريخ سيبقى مطأطئاً رأسه أمام عظمتها وخاشعاً مبهوتاً أمامها، لدورها الاسلامي الكبير وتضحياتها الجمة الجسيمة في سبيل العقيدة والمبدأ. ونذكر نساءنا بأن كلاً منهن يمكنها أن تخدم مجتمعها وتعمل لرفعته متخذة من خديجة (ع) قدوة في مساندة الزوج المؤمن الذي يكافح في دروب الحياة ويواجه المشاكل، فيحتاج من الزوجة أن تقوم بدور الداعم له لمواجهة الآلام والمشاكل في بعض الأحيان، لا أن تضيف إلى زوجها آلاماً بطريقتها السلبية في التعامل. وعلى الزوجة أن تدرك أن زوجها وهو يقبل إلى البيت بعد كدحه اليومي يحتاج إلى دعمها ومساندتها فعليها أن تستقبله بما يخفف عنه تلك المعاناة ويريحه نفسياً وخاصة إذا كان يحمل هماً رسالياً واجتماعياً.

هكذا كانت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رزقنا الله شفاعتها وثبتنا على محبتها ومحبة ذريتها. فسلام الله عليك يا خديجة يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعثين حية.